عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

143

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

والقمر ، فقلت لها : مهلا يا جارية ما الذي أبلغك هذه المنزلة ؟ قالت : حب الفقراء والمساكين ، وكثرة الاستغفار ونقل الأذى عن طريق المسلمين ، ثم أنشأت تقول : طوبى لمن سهرت في الليل عيناه * وبات ذات قلق في حب مولاه وناح يوما على تفريطه وبكى * خوفا لما قد جناه من خطاياه وقام يرعى نجوم الليل منفردا * خوف الوعيد وعين اللّه ترعاه ( الحكاية الحادية والعشرون بعد المئة : عن بعض أهل العلم ) قال : كانت تختلف إلىّ في بعض الأحيان جارية لها وضاءة وعليها حياء ، تسألني عن شرائع الإسلام وأمور الدين ، فأجيبها وألطف بها ، وكان حالها يميل إلى التستر والكتمان ، وكان يعجبني سمتها وحسن حالها ؛ فبينما أنا بعد مدة مار بالسوق ، إذ رأيت الجارية وقد قبض على يدها إنسان وهو ينادى عليها : من يشترى الجارية بعيبها ؟ فقلت لها : ألست التي كنت تسألينى عن أمور الدين وشرائع الإسلام فأطرقت رأسها وأشارت به نعم ، فقلت له : خل يدك عنها ، فقال : يا سيدي لا أقدر فإن سيدها مجوسي وقد أغضبته ؛ فبينما أنا أتكلم معه إذا بسيدها قد أقبل ، فتقدمت إليه وقلت له : صف لي صفة جاريتك ، واذكر لي ما الذي تكرهه منها ، قال : أخبر الشيخ أن الأبعد مجوسي يعبد النار والنور ، وقد كنت استحسنت هذه الجارية لما رأيت من عقلها وجمالها ، فاشتريتها بثمن جزيل ، وكنت أراها كثيرة العبادة والتعظيم لمعبودنا ، محبة طائعة لآلهتنا ، حتى كانت ليلة من الليالي مر بنا رجل من أهل ملتكم ، وقرأ شيئا من كتابكم ، فما هو إلا أن سمعت ما قرأه فصاحت صيحة عظيمة ، فدهشنا ، وأنشدت : طرق السمع يا أهيل المصلى * خبر منكم فزاد اشتياقى محكم النقل قد روته ثقات * مسند بالرواة والاتفاق عندما شمت بارقا من حلاكم * حن قلبي إلى لذيذ التلاقى وكتمت الوشاة ما بي من الوجد * ومن لوعتى وحر احتراقى أنا أفنى بكم وتبلى عظامي * ورسيس الغرام في القلب باقي قال : فدهشنا وهي باهتة نسألها ، فلا ترد جوابا ، إلا أنها هجرتنا وتركت عبادة